عبد الوهاب الشعراني
59
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
وروى أبو يعلى مرفوعا : « ما من عبد يقوم بفلاة من الأرض يريد الصّلاة إلّا تزخرفت له الأرض » . وفي حديث لأبي داود والنسائي مرفوعا : « يعجب ربّك من راعي غنم في رأس شظيّة يؤذّن ويصلّي فيقول اللّه عزّ وجلّ : انظروا إلى عبدي هذا يؤذّن ويصلّي يخاف منّي ، قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنّة » . والشظية : رأس الجبل ، واللّه تعالى أعلم . [ الاهتمام بصلاة الجماعة في العشاء والصبح : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نهتم بصلاة الجماعة في العشاء والصبح أكثر من الاهتمام بها في غيرهما لتأكيد الشارع علينا في ذلك لا لعلة أخرى ، ولولا علم الشارع صلى اللّه عليه وسلم منا التهاون في حضور الجماعة في هاتين الصلاتين ما أكد علينا في حضورهما ، فإن تأكيد السيد على العبد إنما يكون إذا علم في العبد التهاون بخدمته ، وإلا كان السيد أمره بذلك من غير تأكيد ولا بيان ثواب ، وهذا العهد يخل به كثير من الناس ولا سيما الصنايعي في أيام الصيف ، فإن التعب ينحل عليه آخر النهار فلا يخلص منه إلى طلوع الشمس ، وهذا وإن لم يكن عذرا شرعيا ففيه رائحة العذر لأمر الشارع له بالأكل من عمل يده بخلاف من لا حرفة له ، فإنه لا عذر له في تخلفه عن هاتين الصلاتين ، فعلم أن من أكل من عمل يده وتعاطى الأعمال الشاقة في تحصيل لقمته وأدى الفرائض في جماعة فهو من الكاملين في مقام الإيمان ، واللّه تعالى أعلم . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : إياكم أيها الفقراء والفقهاء الذين يأكلون من الأوقاف ولا يعملون حرفة أن تبادروا إلى الإنكار على من رأيتموه طائفا ببضاعة على رأسه وقت صلاة الجماعة أو الجمعة أو جالسا في حانوته يبيع فربما يكون له عذر شرعي ، بل ابحثوا عن أمره وتعرفوا حاله ثم أنكروا عليه طريقه الشرعي ا ه . وسمع أخي أفضل الدين رحمه اللّه شخصا يقول : لولا الضعف لحضرت صلاة الجماعة في العشاء والصبح ، فقال لا ينبغي لك يا أخي أن تتعلل بالضعف إلا إن كنت بحيث لو وعدت على حضور الجماعة بألف دينار ، لا تقدر على الحضور بحيلة من الحيل ، فإن قدرت على الحضور لأجل الألف دينار ولم تحضر لصلاة الجماعة فعندك نفاق بنص الشارع ا ه واللّه تعالى أعلم . وروى مالك ومسلم واللفظ له مرفوعا : « من صلّى العشاء في جماعة فكأنّما قام نصف اللّيل ومن صلّى الصّبح في جماعة فكأنّما قام اللّيل كلّه » . وفي رواية لأبي داود مرفوعا : « من صلّى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة ، ومن صلّى العشاء والفجر في جماعة كان كقيام ليلة » . وبوب عليه ابن خزيمة في « صحيحه » باب فضل صلاة العشاء والفجر في جماعة ، وبيان أن صلاة الفجر في الجماعة أفضل من صلاة العشاء في الجماعة ، وأن فضلها يعني